ثمة شيء يثير الدهشة حقاً في العالم العربي. ليس حجم الأزمات التي تعصف به، فالتاريخ الإنساني عرف حروباً وانقسامات وصراعات أعنف، وإنما الغريب أن ملايين البشر يعيشون داخل وقائع صنعتها توازنات وقوى ومشاريع لا يعرفون عنها إلا القليل، بينما تتحكم نتائجها في حاضرهم، وربما في مستقبل أجيال كاملة.
فكثير من الصراعات التي تبدو اليوم وكأنها وليدة اللحظة، تعود جذورها إلى خرائط قديمة وتسويات دولية واتفاقات ومصالح متشابكة، تشكلت عبر عقود طويلة. وبينما تغيرت أسماء اللاعبين وتبدلت التحالفات، بقيت المنطقة العربية مسرحاً مفتوحاً لتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية.
المفارقة أن المواطن العربي البسيط لم يكن طرفاً في صياغة تلك الترتيبات، ولم يشارك في رسم الحدود السياسية أو تحديد موازين القوى، لكنه ظل الطرف الذي يتحمل التكلفة الأكبر. فمن بغداد إلى بيروت، ومن دمشق إلى الخرطوم، ومن غزة إلى صنعاء، دفعت المجتمعات العربية أثماناً باهظة لصراعات تجاوزت في كثير من الأحيان حدودها الوطنية.
والأكثر إثارة للتساؤل أن الانقسامات الطائفية والعرقية والمذهبية، التي كان يفترض أن تبقى جزءاً من التنوع الطبيعي للمجتمعات، تحولت في أوقات كثيرة إلى أدوات للصراع السياسي، وإلى خطوط تماس جغرافية أعادت إنتاج الأزمات بدلاً من احتوائها.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه القوى الكبرى بمنطق المصالح والاستراتيجيات طويلة الأمد، ما زالت قطاعات واسعة من المنطقة أسيرة الخطابات العاطفية والاستقطابات الحادة، وكأن التاريخ يتحرك بالشعارات لا بحسابات القوة والنفوذ.
لقد أثبتت العقود الأخيرة أن الخرائط ليست مجرد خطوط على الورق، بل تعبير عن موازين قوة ومصالح متحركة. كما أثبتت أن التحالفات ليست ثابتة، وأن ما يبدو حقائق راسخة اليوم قد يصبح جزءاً من الماضي غداً.
ومن المفارقات اللافتة أن العالم العربي لا يزال يعيد إنتاج كثير من الأزمات نفسها، وإن تغيرت الشعارات والوجوه. فالأمراض السياسية القديمة ما زالت حاضرة، والنخب تتغير، لكن أنماط التفكير والأدوات المستخدمة في إدارة الأزمات لا تتغير بالقدر الكافي.
لقد تحولت بعض دول المنطقة إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي، وأصبحت الجغرافيا العربية جزءاً من لعبة توازنات معقدة، تستخدم فيها أوراق الهوية والطائفة والاقتصاد والأمن، وفقاً لمصالح الفاعلين الكبار، بينما تجد الشعوب نفسها في مواجهة نتائج لم تكن طرفاً في صناعتها.
وربما تكمن المفارقة الأكثر قسوة في أن الأمم التي لا تملك القدرة على قراءة التحولات الكبرى، ولا تشارك في صياغة مستقبلها، تجد نفسها مضطرة للعيش داخل خرائط رسمها الآخرون، والتكيف مع وقائع لم تخترها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا يعيش العالم العربي حالة الاضطراب الحالية؟
بل كيف يمكن لأمة تمتلك هذا التاريخ، وهذه الموارد، وهذا الموقع الجيوسياسي الفريد، أن تتحول إلى موضوع للصراعات، بدلاً من أن تكون فاعلاً في صياغة معادلاتها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل العقول، لا الضجيج الذي يملأ الشاشات، ولا المعارك الصغيرة التي تستهلك الطاقات، بينما تتغير خرائط المصالح من حولنا بصمت، ويعاد تشكيل المنطقة على مهل، في انتظار شرق أوسط جديد، قد لا يشبه كثيراً ذلك الشرق الأوسط الذي عرفناه. ( كاتب وباحث متخصص في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًترامب في المستنقع الإيراني.. هل تغيرت قواعد القوة في العالم؟
قمة بكين.. هل ذهب ترامب لإطفاء الحرائق أم لإعادة ترتيب الحرب الكبرى؟









